هادي المدرسي
23
أخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين ( ع )
باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى اللّيل سدوله ، وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول : « يا دنيا أبي تعرّضت ؟ أم إليّ تشوّقت ؟ هيهات هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك ، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصير وخطرك يسير وأملك حقير ، آه ، آه ، من قلّة الزّاد وبعد السّفر ، ووحشة الطّريق وعظيم المورد » . فسالت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمّه ، ثم قال : « كان واللّه أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار ؟ » قال ضرار : « صبر من ذبح واحدها على صدرها ، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حسرتها ، ثمّ قام وخرج وهو باك » « 1 » . * * * ثم إن العبادة لم تكن عند الإمام مجرد خشية من النار ، أو رغبة في الجنة ، بل كانت عبادة من يعرف حق مولاه ، وعظمة سيّده ، ويريد أن يؤدّي ذلك الحق . . وهو القائل : « إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوما
--> ( 1 ) إرشاد القلوب : ص 13 - 14 .